أبي الفرج الأصفهاني
172
الأغاني
مرتكب الكبيرة كافر : قال هارون : وحدّثني جدّي أبو علقمة ، قال : سمعت أبا حمزة على منبر النبي صلَّى اللَّه عليه وسلم يقول : / « من زنى فهو كافر » ، ومن سرق فهو كافر ، ومن شك أنه كافر فهو كافر : برح الخفاء فأين مابك يذهب خطبة أخرى ضافية له في أهل المدينة : قال هارون : قال جدّي : كان أبو حمزة قد أحسن السيرة في أهل المدينة ، حتى استمال الناس ، وسمع بعضهم كلامه في قوله : من زنى فهو كافر ، قال هارون : قال جدي : وسمعت أبا حمزة يخطب بالمدينة ، فحمد اللَّه وأثنى عليه ، ثم قال : يا أهل المدينة ؛ مالي رأيت رسم الدين فيكم عافيا [ 1 ] ، وآثاره دارسة ! لا تقبلون عليه عظة ، ولا تفقهون من أهله حجّة ، قد بليت فيكم جدّته ، وانطمست عنكم سنّته ، ترون معروفه منكرا ، والمنكر من غير معروفا ، إذا انكشفت لكم العبر ، وأوضحت لكم النّذر ، عميت عنها أبصاركم ، وصمّت عنها أسماعكم ، ساهين في غمرة ، لاهين في غفلة ، تنبسط قلوبكم للباطل إذا نشر ، وتنقبض عن الحق إذا ذكر ، مستوحشة من العلم ، مستأنسة بالجهل ، كلما وقعت عليها موعظة زادتها عن الحق نفورا ، تحملون منها في صدوركم كالحجارة أو أشدّ قسوة من الحجارة ، أو لم تلن لكتاب اللَّه الذي لو أنزل على جبل لرأيته خاشعا متصدّعا من خشية اللَّه ! يا أهل المدينة ، ما تغني عنكم صحّة أبدانكم / إذا سقمت قلوبكم إن اللَّه قد جعل لكل شيء غالبا يقاد له ، ويطيع أمره ، وجعل القلوب غالبة على الأبدان ، فإذا مالت القلوب ميلا كانت الأبدان لها تبعا ، وإنّ القلوب لا تلين لأهلها إلا بصحّتها ، ولا يصحّحها إلا المعرفة باللَّه ، وقوّة النّية ، ونفاذ البصيرة . ولو استشعرت تقوى اللَّه قلوبكم لاستعملت بطاعة اللَّه أبدانكم . يا أهل المدينة ، داركم دار الهجرة ، ومثوى رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلم ، لمّا نبت به داره ، وضاق به قراره ، وآذاه الأعداء ، وتجّهمت له ، فنقله إلى قوم - لعمري لم يكونوا أمثالكم - متوازرين مع الحقّ على الباطل ، ومختارين للآجل على العاجل ، يصبرون للضّرّاء رجاء ثوابها ، فنصروا اللَّه ، وجاهدوا في سبيله ، وآووا رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلم ، ونصروه ، واتّبعوا النور الذي أنزل معه ، وآثروا اللَّه على أنفسهم ولو كانت بهم خصاصة ، قال اللَّه تعالى لهم ولأمثالهم ولمن اهتدى بهداهم : * ( ( ومَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِه ِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) ) * * [ 2 ] وأنتم أبناؤهم ، ومن بقي من خلفهم ، تتركون أن تقتدوا بهم ، أو تأخذوا بسنّتهم ، عمي القلوب ، صمّ الآذان ، اتّبعتم الهوى ، فأرداكم عن الهدى وأسهاكم ، فلا مواعظ القرآن تزجركم فتزدجروا ، ولا تعظكم فتعتبروا ، ولا توقظكم فتستيقظوا ، لبئس الخلف أنتم ! من قوم مضوا قبلكم ، ما سرتم بسيرتهم ، ولا حفظتم وصيتهم ، ولا احتذيتم مثالهم ، لو شقت عنم قبورهم ، فعرضت عليهم أعمالكم لعجبوا كيف صرف العذاب عنكم . قال : ثم لعن أقواما . ثم خطبة رابعة رائعة : قال هارون : وحدّثني داود بن عبد اللَّه بن أبي الكرام ، وأخرج إليّ خط بن فضالة النحوي بهذا الخبر :
--> [ 1 ] س ، ب : « باقيا » . [ 2 ] الحشر : 9 .